الاب
أبي رجلٌ عظيم رغم أن الدنيا لم تُعطه نصيبًا سهلًا ولا طريقًا ممهّدًا، فقد تعب كثيرًا وذاق من اليأس ما يكفي ليكسر أقوى الرجال، ومع ذلك ظل يسعى بلا توقف وكأن في داخله وعدًا لا ينطفئ بأن الله لن يتركه أبدًا
لم أرَه يومًا يبتعد عن طريق الله، بل كان كلما ضاقت به الحياة ازداد تمسّكًا بدينه وأملِه في ربّه، ولم أسمع منه سوءًا قط، ورغم أنه لم يكن بارعًا في التعبير عن مشاعره، إلا أنه كان يحاول دائمًا بطريقته البسيطة أن يُحب وأن يُعطي وأن يعوضنا بما يقدر عليه، حتى وإن كان قليلًا في أعين الناس، لكنه كان عظيمًا في قلبه
كنت أراه بصورةٍ مشوّهة، خدعتني كلمات الآخرين وأثّرت فيّ حتى أصبحت واحدًا ممن ظلموه دون أن أشعر، وهذا أكثر ما يؤلمني الآن، أنني كنت قريبًا منه جسدًا وبعيدًا عنه فهمًا، وأنني خذلته يومًا وأنا لا أدرك حجم ما يحمله بداخله
لقد رأى من القسوة ما يكفي ليحطم طفولة كاملة، وعاش أيامًا لو وُزِّعت على رجالٍ لكفتهم، ومع ذلك خرج منها صابرًا، صامتًا، يحمل وجعه وحده، ويواصل طريقه من أجلنا دون أن ينتظر شكرًا أو تقديرًا
أنا أؤمن أن رزق أبي الحقيقي لم يكن في هذه الدنيا الضيقة، بل فيما ادّخره الله له في الآخرة، على كل هذا الصبر الذي لم يشتكِ منه، وعلى كل هذا العطاء الذي لم يتوقف، وعلى كل هذا الألم الذي أخفاه خلف صمته
وأكتب الآن بكل فخر أني ابن محمد خميس، فإن لم يكن أعظم الناس في نظر الآخرين، فهو أعظمهم في نظري أنا، وهو قدوتي التي أتعلم منها الصبر والقوة، وهو عالمي الذي فهمته متأخرًا لكن بصدقٍ لم أعرفه من قبل
أبي، رغم قسوة الدنيا وبرودها، تعلّم كيف يكون حنونًا، وتعلّم كيف يُحب بطريقته، وما زال يحاول حتى هذه اللحظة، وسيظل يحاول، لأنه ببساطة لا يعرف اليأس
وإن كان الجميع قد أساء فهمه يومًا، فأنا كنت منهم، لكنني حين كبرت ونضجت أدركت الحقيقة التي لا تقبل الشك، أنني لست ابن أبٍ فاشل كما ظننت، بل أنا ابن أعظم رجل عرفته الحياة


وكيف نتخطى الم وفاته ؟ كيف نعيش ونكمل في هذه الحياة بدونه ؟