منذ كنتُ صبيًّا صغيرًا، لم أعرف للحب وجهًا سوى وجه فتاةٍ واحدة، ومضت الأعوام وتبدّلت الأشياء من حولي، وتبدّلتُ أنا، إلا ذلك الشعور الذي ظلّ في داخلي كأنه لم يعرف للزمن سلطانًا، حاولت أن أنساها مرارًا، وأن أدفن ما أشعر به تحت ركام الأيام، وحاولت أن أكرهها، وأن أفتح قلبي لغيرها، غير أنني كنت في كل مرة أبحث عنها دون أن أدري، أفتّش عن شيءٍ من ملامحها في وجهٍ آخر، وعن نبرتها في صوتٍ غريب، حتى أدركت أنني لم أكن أبحث عن حبٍّ جديد، بل كنت أبحث عنها هي.
ولأنني أحببتها، بدأت أريد أن أصير استثنائيًّا، فطمعت أن أكون أجمل وأقوى وأنجح، وأن أصنع من نفسي رجلًا لا يُنسى، وكأن في أعماقي وهمًا صغيرًا يقول إنني إن بلغت من العظمة مبلغًا لا يُدرك، فستلتفت إليّ يومًا بعينٍ تشبه العين التي أنظر بها إليها، ولم أفهم إلا متأخرًا أن الإنسان قد يقضي عمره كاملًا محاولًا أن يكون جديرًا بقلبٍ لم يَعِده بشيء.
ولا أدري متى تبدّل كل شيءٍ بيننا، ولا أيُّ شيءٍ جعلها تبتعد بعد أن كانت صديقةً أعرفها وتعرفني، وبعد أن كان بيننا من التفاصيل ما يكفي ليصنع عالمًا صغيرًا لا يراه سوانا، ما زلت أذكر مذاكرتي لها، واطمئناني عليها بعد امتحاناتها، وحزنها على نصف درجةٍ نقصت منها، وأذكر أحاديثنا التي كانت تختبئ في خفاء الرسائل، وخططنا الصغيرة للقاءاتٍ لم تكن تحتاج إلى كثيرٍ من الكلام، وأذكر تلك النظرات التي لم أفهم معناها يومًا، لكنني عشت عليها أعوامًا كأنها كانت وعدًا لم يُكتب له أن يكتمل.
وفي كلِّ يومِ جمعة، حين نجتمع، أراها من بعيد، فألتقي بعينيها كما كنت أفعل قديمًا، غير أن نظرتها اليوم لم تعد كما كانت؛ كانت يومًا واضحةً كأنها حديثٌ لا يحتاج إلى لسان، أما الآن فقد غدت لغزًا لا أملك له تفسيرًا، أراها أحيانًا حزينة، وأحيانًا شاردةً كأن في داخلها كلامًا لم تجد له سبيلًا إليّ، وأحيانًا تلتقي عيناي بعينيها لحظةً ثم تنصرف، فأبقى بعدها أتساءل: أكان في عينيها شيءٌ مني، أم أنني صرت أرى في نظراتها ما يتمنى قلبي أن يراه؟
وأعجب ما في الأمر أنني ما زلت أشعر، في تلك اللحظات القصيرة، أن شيئًا من الماضي لم يمت تمامًا، ثم يعود عقلي ليذكّرني بأن ثلاثة أعوامٍ من البعد كافيةٌ لأن تغيّر الإنسان، وأن النظرات لا تصلح دليلًا على قلبٍ لا نعرف ما يخفيه، فأعود كل جمعةٍ وفي داخلي سؤالٌ واحد لا أجد له جوابًا: ماذا تقول عيناها حين تنظر إليّ؟ وهل تذكر ما كان بيننا، أم تتألم مما صار، أم أن كل ذلك ليس إلا حكايةً ينسجها قلبي لأنه لم يتعلم بعد كيف يودّعها؟
وربما لم أكن متعلّقًا بها وحدها، بل كنت متعلّقًا بالزمن الذي كانت فيه قريبةً مني، وبالإنسان الذي كنتُه حين كانت حياتي أبسط، وبذلك الشعور الأول الذي لم أعرف يومها أنه قادر على أن يعبر كل هذه السنوات دون أن يموت.
وأشد ما يؤلمني أنني لا أستطيع كرهها، ولا أستطيع نسيانها، ولا أستطيع أن أتخيّلها يومًا في حياة رجلٍ آخر، وفي الوقت ذاته لا أعلم إن كان في قلبها شيءٌ مما كان في قلبي، أم أنني صرت أقرأ في عينيها ما يتمنى قلبي أن يجده، لأنني لم أحتمل فكرة أن تكون الحكاية قد انتهت دون أن أعرف لماذا.
ومع ذلك، ما زلت أحبها.
قد لا تكون لي، وقد تمضي الأعوام دون أن أعرف ما الذي حدث بيننا، وقد أبقى أحبها في صمتٍ لا يسمعه أحد، لكنني بدأت أفهم أن بعض الحكايات لا تنتهي حين يموت الحب، بل حين يدرك المرء أن عليه أن يمضي رغم بقائه.
ولعل مأساتي لم تكن أنني أحببتها ولم أحظَ بها، بل أنني أحببتها حتى جعلت منها معيارًا لنفسي، فكلما أردت أن أصبح أفضل، كان جزءٌ مني يتمنى أن تراني، وكلما نجحت، تمنيت لو عرفت، وكلما تغيّرت، سألت نفسي في الخفاء: هل كنت ستختارينني لو رأيتِني الآن؟
ثم أدركت أنني لا أريد أن أقضي عمري كله في محاولة الإجابة عن سؤالٍ لا أملك إجابته.
لذلك سأظل أحبها ما دام الحب صادقًا، لكنني لن أجعل غيابها سببًا في غيابي عن حياتي، ولن أقتل ما كان بيننا بالكراهية، ولن أقتل ما تبقّى مني بالانتظار.
سأمضي، وفي قلبي حكاية فتاةٍ أحببتها منذ الصغر، وربما لم تكن نهايتها لي، لكنّها تركت فيَّ أثرًا لن يمحوه الزمن.
وسأظل أريد أن أصبح عظيمًا، لا لأنني أرجو أن تحبني يومًا، بل لأنني أريد، حين أنظر إلى الرجل الذي صرتُه، ألّا أجد فيه أثرًا لإنسانٍ قضى عمره ينتظر أن تختاره امرأة، بل إنسانًا أحبّ بصدق، وخسر بصدق، ثم تعلّم أن يعيش بكرامة.



عندي مليون علامة استفهام
🤨🤨🤨🤨🤨🤨🤨🤨🤨