كلمة «عبقري» من الكلمات التي نستخدمها كثيرًا، حتى كادت تفقد معناها الحقيقي. نقولها عن لاعب شطرنج يرى ما لا نراه، وعن رسام يرى في الأشياء تفاصيل لا نلاحظها، وعن شاعر يستطيع أن يحوّل فكرة عابرة إلى بيتٍ يبقى في الذاكرة، وأحيانًا عن شخص يستطيع أن يتعلم أكثر من مجال وكأن عقله لا يعرف طريقًا واحدًا للسير.
لكن هل العبقرية تعني أن تكون أذكى من الجميع؟
ليس بالضرورة.
فالذكاء شيء، والموهبة شيء آخر، والإبداع شيء ثالث، والخبرة شيء رابع. وقد تجتمع كلها في شخص واحد، وقد ينفصل بعضها عن بعض تمامًا.
وأكثر ما يلفتني في هذا الموضوع هم أصحاب المواهب المتعددة؛ أولئك الذين لا يستطيعون حصر أنفسهم في مجال واحد. تجد الواحد منهم يرسم، ويكتب، ويقرأ في الفلسفة، ويلعب الشطرنج، ويكتب الشعر، وربما يتعلم الموسيقى أو البرمجة أو غيرها، وكلما ظننت أنه استقر على شيء، وجدته ينتقل إلى شيء آخر.
وقد يبدو هذا للناس نوعًا من التشتت، لكنه ليس دائمًا كذلك.
أحيانًا يكون السبب أن العقل نفسه فضولي بطبيعته، وأنه يستمتع باكتشاف الأنماط والعلاقات في مجالات مختلفة.
كيف يفكر العقل الموهوب؟
لنأخذ الشطرنج مثالًا.
المبتدئ ينظر إلى الرقعة فيرى قطعًا كثيرة موزعة أمامه. أما اللاعب الخبير، فلا يرى القطع منفصلة بهذه الصورة؛ بل يرى علاقات بينها: قطعة ضعيفة، مربعًا مهمًا، تهديدًا تكتيكيًا، بنية بيادق، أو وضعية تشبه شيئًا مرّ عليه من قبل.
ولهذا أظهرت أبحاث الشطرنج أن قوة اللاعب لا تعتمد فقط على قدرته على الحساب، وإنما بدرجة كبيرة على التعرف على الأنماط واستدعاء المعرفة المخزنة في الذاكرة.
يعني ببساطة: اللاعب القوي مش لازم يكون قاعد يحسب الدنيا كلها نقلة نقلة؛ هو أصلًا شايف حاجات أنت لسه بتتعلم تشوفها.
والأمر نفسه يحدث في الرسم.
الرسام لا يرى الوجه باعتباره عينين وأنفًا وفمًا فقط، بل يرى النسب، والظل، والضوء، والزوايا، والمسافات، والعلاقة بين كل جزء والآخر.
وبمرور الوقت لا يتغير ما يستطيع الفنان رسمه فقط، بل تتغير طريقة نظره إلى الأشياء نفسها.
وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأن الموهبة في كثير من الأحيان ليست مجرد القدرة على إنتاج شيء جيد، وإنما القدرة على ملاحظة شيء لم يكن ظاهرًا للآخرين أصلًا.
والشاعر ماذا يرى؟
الشاعر لديه عالم آخر تمامًا.
الكلمة عند الإنسان العادي وسيلة للتعبير، أما عند الشاعر فقد تكون صورة، وصوتًا، وذكرى، وإيقاعًا، وإحساسًا في الوقت نفسه.
كلمة واحدة قد تفتح في ذهنه عشرات الروابط.
ولهذا لا يأتي البيت الشعري الجيد من فراغ، حتى وإن بدا للقارئ أنه خرج في لحظة واحدة.
وراء تلك اللحظة سنوات من القراءة، والاستماع، والملاحظة، وتجارب الحياة، وتخزين الكلمات والصور والمعاني.
الإبداع في النهاية ليس أن تأتي بشيء من العدم؛ بل أن تأخذ أشياء يعرفها الجميع، ثم تضعها في علاقة لم يفكر فيها أحد من قبل.
وهنا تحديدًا تظهر قيمة تعدد المواهب.
لماذا نجد شخصًا موهوبًا في أشياء كثيرة؟
لا يوجد في العلم شيء اسمه «عقل العبقري» بالمعنى البسيط الذي نتخيله.
لكن توجد قدرات وسمات يمكن أن تساعد الإنسان على النجاح في مجالات مختلفة، مثل سرعة التعلم، والمرونة العقلية، والقدرة على اكتشاف الأنماط، والخيال، والفضول، والانفتاح على الخبرات الجديدة.
وقد وجدت أبحاث الإبداع والذكاء ارتباطًا بين بعض القدرات العقلية والإبداع، لكنها لا تقول إن الذكاء وحده يصنع المبدع.
وهذا منطقي جدًا.
فقد تجد إنسانًا شديد الذكاء لكنه لا يملك خيالًا واسعًا، وقد تجد فنانًا مبدعًا بصورة مذهلة دون أن يكون متفوقًا في كل الاختبارات العقلية.
لذلك فالعبقرية ليست رقمًا على ورقة.
هي تركيب معقد من قدرات مختلفة.
الموهبة وحدها لا تكفي
وهنا في كثير من الناس في خطأ آخر.
يظنون أن الشخص الموهوب لا يحتاج إلى التدريب.
والحقيقة أن الموهبة قد تعطيك بداية أسرع، لكنها لا تعفيك من الطريق.
فلاعب الشطرنج مهما كانت موهبته لن يصل إلى مستوى عالٍ دون آلاف المواقف التي أخطأ فيها وتعلم منها.
والرسام الموهوب لن يصبح فنانًا كبيرًا بمجرد امتلاكه عينًا جيدة.
والكاتب لن يصبح كاتبًا عظيمًا لأنه يعرف اللغة.
الموهبة تفتح الباب، لكن الممارسة والمعرفة والاستمرار هي التي تحدد إلى أين ستصل.
ومع ذلك، فالتدريب وحده لا يفسر كل شيء؛ فالناس يختلفون في قدراتهم الأولية، ودوافعهم، وطريقة تعلمهم، والفرص التي حصلوا عليها، وحتى في مدى استفادتهم من التدريب نفسه.
ولهذا لا توجد معادلة بسيطة تقول:
عدد ساعات التدريب = العبقرية.
الأمر أعقد من ذلك بكثير.
أصحاب المواهب الكثيرة لهم مشكلة مختلفة
وهنا أصل إلى أكثر شيء يثير اهتمامي.
الشخص متعدد المواهب قد لا تكون مشكلته أنه لا يستطيع فعل شيء، بل أنه يستطيع فعل أشياء كثيرة.
وهذه في حد ذاتها مشكلة.
لأنه قد يبدأ في الرسم، ثم يكتشف أنه جيد فيه، وبعدها يدخل إلى الشطرنج فيجد نفسه مستمتعًا به، ثم يكتب شيئًا فيكتشف أنه يستطيع الكتابة، ثم يقرأ في الفلسفة، ثم يجد نفسه مهتمًا بعلم النفس...
وفي النهاية يسأل نفسه:
أنا المفروض أختار إيه؟
وأحيانًا يظن أنه مشتت، بينما هو في الحقيقة ما زال يبحث عن المجال الذي يستطيع أن يجمع فيه أكبر قدر من قدراته
والأجمل أن المجالات نفسها يمكن أن تغذي بعضها.
الشطرنج يعطيك التفكير في الاحتمالات والأنماط.
الرسم يعطيك قوة الملاحظة.
الشعر يعطيك الحس باللغة والإيقاع.
الكتابة تعطيك القدرة على تنظيم الأفكار.
الفلسفة تعلمك أن تسأل عن المعنى الذي خلف الأشياء.
ومع الوقت يمكن لهذه الأشياء أن تبدأ في الالتقاء داخل عقل واحد.
قد تجد مثلًا أن طريقة تفكيرك في الشطرنج تؤثر في كتابتك، وأن ملاحظتك كرسام تؤثر في شعرك، وأن قراءتك للفلسفة تغير الطريقة التي ترى بها لوحة.
وهنا لا تعود المواهب مجموعة مهارات منفصلة.
بل تصبح لغة واحدة يتحدث بها العقل بأشكال مختلفة.
إذن... هل تُنصِّف نفسك عبقريًا؟
ربما لا يكون هذا هو السؤال الصحيح أصلًا.
بدلًا من أن تسأل نفسك: «هل أنا عبقري؟»، اسأل:
ما الذي أراه ولا يراه غيري؟
ما الذي أتعلمه بسرعة؟
ما الشيء الذي أستطيع أن أظل أفعله دون أن أشعر بالوقت؟
وما الذي يحدث عندما أجمع أكثر من موهبة في عمل واحد؟
لأن الإنسان قد لا يكون عبقريًا لأنه يعرف أكثر من الجميع، وإنما لأنه يرى العلاقات التي لا يراها الآخرون.
وقد لا تكون قيمة صاحب المواهب المتعددة في أنه يستطيع فعل عشرة أشياء، بل في أنه يستطيع أن يأخذ من كل شيء شيئًا، ثم يصنع من مجموعها شيئًا لا يشبه أيًّا منها منفردًا.
وفي النهاية، الموهبة ليست شهادة تمنحها لنفسك، والعبقرية ليست لقبًا تحتاج أن تثبته للناس.
قد تكون لديك قدرات استثنائية فعلًا، لكن السؤال الأهم مش: «أنا عبقري ولا لأ؟»
السؤال الأهم هو:
«ماذا سأفعل بكل ما أستطيع أن أكونه؟»
فالموهبة إمكان،
والإبداع فعل،
أما الأثر... فهو ما يبقى بعد أن ينتهي كل شيء.




ألهمتني للكتابه شكرًا لك