الحنين إلى الماضي… حين تصبح الذاكرة وطنًا لا يُعاد دخوله
من رحمة الله بالإنسان أن عمره لا يمتد بلا نهاية، لأن النفس مهما بلغت قوتها تظل محدودة الاحتمال، ولأن القلب الذي خُلق ليحب لا يستطيع أن يتحمل تراكم الفقد إلى ما لا نهاية، فكل عام نعيشه لا يمر كرقم في التقويم، بل يُضاف كطبقة كاملة من التجارب والمشاعر والوجوه والأماكن التي تسكننا ثم تترك فينا أثرها العميق الذي لا يزول.
تخيّل إنسانًا عاش مئة عام، مئة عامًا رأى فيها طفولته تبتعد عنه كجزيرة صغيرة تتلاشى في الأفق، ورأى شبابه يمرّ كريحٍ سريعة لم يمسك منها إلا الذكريات، ثم وقف في كهولته يتأمل صورته القديمة وكأنه ينظر إلى شخصٍ آخر كان يشبهه يومًا ولم يعد هو.
الحنين ليس مجرد شوق رقيق إلى أيام جميلة، بل هو صدمة وعيٍ مستمرة بأن ما كان لن يعود، وأن اللحظة التي مضت أغلقت بابها إلى الأبد، وأن الأشخاص الذين ملؤوا حياتنا ضجيجًا وحضورًا قد أصبحوا الآن مجرد أصواتٍ في الذاكرة، نستدعيها فلا تجيب، ونتخيلها فلا تكتمل.
كلما طال العمر، تضاعفت المسافات بين النسخ التي عشناها من أنفسنا، فتصبح المقارنة مؤلمة؛ نقارن بين قلبٍ كان بسيطًا يفرح بأشياء صغيرة، وقلبٍ صار مثقلًا بالتجارب، نقارن بين ثقةٍ عفوية بالناس، وحذرٍ تعلمناه بعد خيبات متكررة، نقارن بين عالمٍ كان يبدو واسعًا مليئًا بالإمكانات، وعالمٍ انكشفت حدوده وأوهامه.
ولو امتد العمر أكثر من ذلك، ولو كُتب للإنسان أن يعيش قرونًا، لكان الحنين نارًا لا تنطفئ، لأن كل شيء سيصبح ماضيًا فوق ماضٍ فوق ماضٍ، ولأن الفقد لن يكون حدثًا عابرًا بل سلسلة لا تنتهي، يرى فيها الإنسان كل من أحبهم يرحلون تباعًا، ويرى الأماكن التي حفظت خطواته تتغير حتى لا تعود تعرفه، ويرى العالم يتحول أمام عينيه حتى يشعر أنه غريب في الزمن الذي يعيش فيه.
الذاكرة نعمة، لكنها لو تضخمت بلا حد لتحولت إلى عبء، لأن الإنسان لا يشتاق فقط لما كان جميلًا، بل يشتاق لما كان ممكنًا، يشتاق إلى احتمالاتٍ لم تتحقق، وإلى طرقٍ لم يسلكها، وإلى كلماتٍ لم يقلها في وقتها، وإلى لحظاتٍ لم يدرك قيمتها إلا بعد أن صارت بعيدة.
ومن هنا نفهم أن قِصر العمر ليس نقصًا في العطاء الإلهي، بل هو رحمة خفية، لأن النهاية تضع حدًا لتراكم الحنين، ولأن الزمن حين يُغلق دائرته يمنح الروح فرصة أن تستريح من المقارنات المستمرة بين ما كان وما هو كائن، ولأن الإنسان لو طالت به الحياة إلى ما لا نهاية لربما أثقلته الذكريات حتى فقد القدرة على الاستمتاع بالحاضر، وصار يعيش نصفه في الأمس ونصفه في الحسرة.
فالحنين دليل حياة، لكنه يحتاج إلى حدٍّ زمني يحمي القلب من أن يغرق فيه، ومن رحمة الله أن جعل لكل شيء أجلًا، حتى لا يتحول الماضي إلى حملٍ يفوق طاقة البشر.

