هّلَ آلَآنِسِآنِ فُعٌلَآ حًر؟
كان يمكن للإنسان أن يُخلق بلا صراع، كائنًا مستقيمًا بطبيعته لا يعرف انقسامًا داخليًا، لا يسمع صوتين يتجاذبانه، ولا يقف بين احتمالين، لكنه لم يُخلق كذلك، بل وُضع منذ اللحظة الأولى في مساحة توتر، في منطقة بين أمرٍ ونهي، بين شهوةٍ وحدّ، بين قدرةٍ على الفعل وإمكانٍ لتركه، ومن هنا بدأت الحكاية، لا كقصة معصية عابرة، بل كإعلان عن ماهية الإنسان نفسها، حين وُضع آدم أمام الشجرة لم يكن المشهد اختبارًا بسيطًا للطاعة، بل كان تأسيسًا لمعنى الحرية، لأن الطاعة التي لا يسبقها احتمال العصيان ليست طاعة واعية، بل استجابة آلية، والإنسان لم يُخلق آلة، بل خُلق كائنًا قادرًا أن يقول نعم وقادرًا أن يقول لا، وفي قدرته على النفي كما في قدرته على الإثبات تكمن إنسانيته.
لم تكن الحرية هناك غيابًا للقيد، بل كانت حضورًا للحد، لأن الحد هو الذي يُعرّف الفعل، ولولا المنع ما كان للأمر معنى، ولولا إمكانية الخطأ ما كان للصواب قيمة، فالحرية المطلقة التي لا تواجه حدًا لا تُنتج أخلاقًا بل تُنتج اندفاعًا، والغريزة إذا تُركت بلا ميزان لا تسأل عن حق أو باطل، بل تسأل عن إشباع أو حرمان، ولهذا لم يكن وجود القيد في التصور الإسلامي إلغاءً للحرية بل حمايةً لمعناها، إذ إن الإنسان لو كان مجبورًا بالكامل لسقطت عنه المسؤولية، ولو كان طليقًا بلا مرجعية لسقط عنه المعنى، وبين الجبر المطلق والانفلات المطلق يقف الاختيار بوصفه جوهر التجربة الإنسانية.
الإنسان لا يختار أن يولد، ولا يختار قوانين الكون، ولا يختار حدود الجسد أو الزمن، لكنه يختار موقفه داخل هذه الحدود، يختار كيف يتعامل مع رغبته، وكيف يضبط شهوته، وكيف يوجّه قدرته، وهنا يظهر البعد العميق للاختبار، فالاختبار ليس أن تفعل ما تشاء، بل أن تُعطى القدرة ثم تُسأل ماذا ستفعل بها، أن تكون قادرًا على الظلم ثم تختار العدل، قادرًا على الكذب ثم تختار الصدق، قادرًا على الانفلات ثم تختار الانضباط، لأن القيمة الأخلاقية لا تولد من العجز بل من الإمكان.
ولذلك فإن القول بأن الحرية عدو الإنسان لا يصح إلا إذا كانت حرية منزوعة من المعيار، أما الحرية المرتبطة بمرجعية عليا فهي شرط الكرامة، إذ إن العبودية لله في الفهم الإسلامي ليست سلبًا للإرادة بل تحريرًا لها من عبودية الهوى، فالإنسان إن لم يخضع لمبدأ أعلى خضع بالضرورة لأدنى ما فيه، وإذا تحرر من كل قيد ظنًّا أنه بلغ السيادة، قد يكتشف أنه صار أسير شهوته، والشهوة حين تتسيّد لا تعترف بحدود ولا تعترف بغيرها، ومن هنا كان القيد الأخلاقي ضرورة لا لأنه يقمع الإنسان، بل لأنه يمنع انهياره في ذاته.
لم تُبنَ الدنيا على خطأ آدم، بل بُنيت على إمكان الخطأ، وهذا الإمكان هو الذي أعطى للوعي معناه، فلو لم يكن السقوط ممكنًا لما كان للنهوض قيمة، ولو لم تكن المعصية ممكنة لما كانت الطاعة اختيارًا، ولهذا فإن الإنسان ليس حرًا حرية مطلقة ولا مقيدًا قيدًا كاملًا، بل هو كائن يقف دائمًا على الحد الفاصل بين الغريزة والمعنى، بين الرغبة والواجب، بين ما يقدر عليه وما ينبغي أن يفعله، وفي تلك المسافة الدقيقة، في تلك اللحظة الصامتة بين الدافع والفعل، يتحدد قدره الأخلاقي، لا لأنه قادر على كل شيء، بل لأنه مسؤول عما اختار وهو يعلم أنه كان يستطيع أن يختار غيره.

