يَفُنِى آلَعٌبًآدٍ وٌلَآ تٌفُنِى صّنِآئعٌهّمً
لا الجاهُ يبقى ولا الألقابُ خالدةٌ
ولا القصورُ إذا ما أظلم السَّحَرُ
كلُّ الذي تزرعُ الأيامُ تحصدهُ
ويبقى من الفعلِ ما قد خطَّهُ الأثرُ
يفنى الجمالُ ويبلى كلُّ مُدَّخرٍ
ولا يدومُ سوى المعروفِ إن ذُكِروا
فازرع لنفسكَ خيرًا لا انقضاءَ لهُ
فالزرعُ يبقى إذا ما غاب من زرعوا
واختر طريقًا إذا ما غِبتَ عن دُنياك
قالوا: هنا مرَّ إنسانٌ لهُ قَدَرُ
هذه الكلماتُ، وهي من نفائس الحكمة، تفتح لنا باب التأمل في حقيقة الحياة وحقائق الخلود. فما أقصر أعمارنا وما أسرع مرور أيامنا، وما أغرَتنا الدنيا بزخرفها، وما أوهمتنا المظاهر بأن فيها البقاء. الجاهُ يذهب، والألقاب تتبدد، والقصورُ مهما علا صداها، تذوي في لحظة الظلام، ويبقى أثر الإنسان هو الحكاية الحقيقية التي لا تموت.
إن كل زرعٍ نبذره في هذه الحياة، كل كلمة حق نقولها، كل معروف نقدمه، هو ما يبقى خالداً بعدنا. فالمالُ لا يرافقنا بعد الرحيل، والجمال يذبل، والمظاهر تتبدد، لكن الأعمال الصالحة، والخير الذي تنشره بين الناس، والرحمة التي تمنحها للقلب، هي التي تحفر اسمك في صفحات الوجود.
ليس المهم طول العمر، بل المهم عمق الأثر الذي تتركه. فالفردُ الحكيم يسعى في حياته لزرع ما ينفع الناس بعد رحيله، لأن الزرع الصالح يبقى حيًّا حتى إذا غاب من زرعوه، ويستمر عطاؤه كأنه روح تمتد عبر الزمن. فالإنسان الذي اختار طريق الخير، وترك أثرًا يذكره الناس به، هو الذي يُقال عنه: “مرّ إنسان له قدر”.
الحياة ليست سباق امتلاك، بل هي سباق معنى. فاختيار الأثر هو أجمل استثمار في هذه الرحلة القصيرة، والاستمرار في فعل الخير هو الذي يضمن خالداً في الذاكرة، مذكورًا في القلوب، لا تمحوه الأيام ولا تبيده السنون. فازرع لنفسك ما يليق بأن يُذكر، وما يضيء طريقًا لمن بعدك، وكن أنت الحكاية التي تروى، لا مجرد اسمٍ عابر.
في نهاية المطاف، كل ما بناه الإنسان بلا أثرٍ يبقى مجرد سرابٍ، وكل ما عاشه من متع دنيوية يزول مع الريح. أما من ترك أثرًا طيبًا، فقد كتب لنفسه حياة ثانية، حياة تتجاوز زمانه ومكانه، وتظل تذكره الأجيال، وتسمعها القلوب، وتستمد منها العقول. فالأثر هو الخلود الحقيقي، وهو الجسر الذي يربط بين حياة الإنسان وزمن ما بعده، وبين قلبه وقلوب من سيأتي بعده، وبين روحه وذكرى لا تنتهي.
فلنزرع جميعًا ما يليق بنا، ما يخلّدنا في الناس، ويجعل من حياتنا رسالة صالحة، ونورًا مستمرًا، وأثرًا لا يُمحى، لأن هذا وحده هو الباقي، وهذا وحده هو الذي يستحق أن يُصنع.
