حين غيّر الإسلام قواعد اللعبة: صراع القيم لا صراع الأشخاص
لم يكن المجتمع القرشي قبل الإسلام كما يُصوَّر أحيانًا صورةً واحدة جامدة، فلا هم كانوا وحوشًا قساة بلا ملامح، ولا كانوا مجتمعًا مثاليًا فاضلًا. بل كانوا بشرًا فيهم من الجمال والهيبة، وفيهم من العادات ما بين المقبول والمرفوض. فقد عُرف عن بعضهم الوسامة وحسن الهيئة، ويُذكر عن أبو لهب أنه كان شديد البياض مُحمر الوجه، حتى لُقّب بهذا اللقب.
وكانت قريش تعيش حالة من التعدد الديني، فكل إنسان يعبد ما يشاء من صنم أو معتقد، دون صراع ظاهر في أغلب الأحيان. لكن هذا “الانفتاح” لم يكن قائمًا على مبدأ الحرية الواعية، بل على غياب معيار الحق الثابت، فصار كل شيء مباحًا ما دام لا يهز استقرار القبيلة أو مصالحها.
وفي هذا المناخ، انتشرت عادات مثل شرب الخمر، والتعامل بالربا، والعلاقات المحرمة. لم يكن الجميع يراها صوابًا، لكن كثيرين اعتبروها جزءًا طبيعيًا من الحياة. وهنا تتجلى طبيعة الإنسان: يألف ما اعتاد عليه، حتى لو كان خطأ.
ثم جاء الإسلام… لا كدين يُضاف إلى بقية الأديان، بل كنقطة فاصلة تعيد تعريف كل شيء.
جاء ليقول:
ليس كل ما تعودت عليه حق
وليس كل ما تشتهيه مباح
وليس كل ما ينفعك ماديًا عادل
فحرّم الزنا بعد أن كان يُمارَس، وحرّم الخمر بعد أن كان يُشرب كالماء، وحرّم الربا بعد أن كان مصدر ربحٍ سهلٍ للبعض. لم يكن هذا مجرد تغيير في الأحكام، بل كان هدمًا لنظامٍ كاملٍ قائم، وبناءً لآخر جديد.
وهنا بدأ الصراع الحقيقي.
لم يكن الصراع بين محمد وقريش صراع أشخاص، بل صراع مبادئ:
بين هوى النفس وانضباطها
بين مصلحة الفرد وعدالة المجتمع
بين الحرية المنفلتة والمسؤولية الواعية
فالإنسان بطبعه لا يعادي التغيير لأنه خطأ، بل لأنه يُفقده ما اعتاد عليه.
وهنا يكمن العدو الحقيقي: تغيير القيم.
هناك من رأى في الإسلام قيدًا يحرمه مما يحب، فرفضه.
وهناك من رأى فيه نورًا ينقذه مما كان فيه، فآمن به.
ومن هنا وُلد الفارق: ليس بين من يعرف ومن يجهل،
بل بين من يختار أن يخضع للحق…
ومن يختار أن يبقى أسيرًا لهواه.
فالإسلام لم يأتِ ليُرضي الإنسان، بل ليُهذّبه.
ولم يأتِ ليُساير الواقع، بل ليُصلحه.
ولهذا كان قبوله شجاعـة… ورفضه راحة مؤقتة.
وفي النهاية، يبقى السؤال قائمًا في كل زمان:
هل الإنسان يبحث عمّا يريده… أم عمّا يجب أن يكون عليه؟
