كان فيه شاب… مش ضايع تمامًا، بس كان واقف في منطقة رمادي، لا هو مرتاح في نفسه ولا هو قادر يهرب منها، عايش وسط الناس بوش بيضحك وبيتكلم وبيتحرك، لكن من جواه كان في صمت تقيل، صمت مش مريح… صمت بيخبي جواه ضجيج أفكار مش مترتبة، رغبات متناقضة، وندوب صغيرة بتتراكم لحد ما بقت جزء من روحه، وكان كل يوم بيعدي عليه وهو حاسس إن فيه حاجة غلط، بس مش قادر يحدد هي إيه، ولا حتى عنده الشجاعة الكاملة إنه يواجهها.
كان عصبي… وكأن جواه نار مستنية أي شرارة، وكان عنده غرور خفي، مش ظاهر للناس دايمًا، لكنه جواه بيهمسله إنه أحسن من غيره، وفي نفس الوقت بيكسره لأنه عارف إنه مش على المستوى اللي هو شايف نفسه عليه، وكان ماشي وسط صحبة، بس الصحبة دي كانت شبهه في الضياع، بيهربوا سوا من نفس الحقيقة، وبيغرقوا سوا في نفس الدوامة، وكل واحد فيهم فاكر إنه عايش… وهو في الحقيقة بيضيع.
لحد ما في لحظة ما، لحظة هدوء نادرة وسط الفوضى، الشاب ده قرر يعمل حاجة مش سهلة، حاجة ناس كتير بتخاف منها… قرر يقعد مع نفسه، مش ساعة ولا يوم، لكن قرر ينسحب من كل ده، ياخد خطوة لورا، ويقفل الباب على العالم، ويفتحه على نفسه، مش علشان يهرب من الناس… لكن علشان يواجه الشخص الوحيد اللي كان طول عمره بيهرب منه.
في الأول، العزلة كانت قاسية… مفيش حد يكلمه، مفيش صوت غير صوته، مفيش حاجة تلهيه عن أفكاره، وكل حاجة كان بيجري منها بدأت تطلعله واحدة واحدة، شاف عيوبه بشكل واضح، من غير تبرير ولا تجميل، شاف عصبيته اللي كانت بتكسر اللي حواليه، شاف غروره اللي كان بيضحك عليه، شاف ذنوبه اللي كانت متراكمة على قلبه زي غبار تقيل، وشاف نفسه على حقيقتها… مش زي ما كان بيتمنى يكون، لكن زي ما هو فعلًا.
الأيام عدت، ومع الوقت بدأ يحصل تغيير هادي… مش مفاجئ، ومش صاخب، لكن عميق، الشاب اللي كان بيهرب من نفسه بدأ يفهمها، واللي كان بيكره عيوبه بدأ يصلحها، واللي كان تايه بدأ يحدد طريقه، بدأ يقرب من ربنا مش بالكلام، لكن بالفعل، بقى عنده وعي في تصرفاته، وبقى بيفكر قبل ما يتكلم، وبقى يختار كلماته بعناية بعد ما كان بيرميها من غير حساب.
جسمه اتغير، بقى أقوى، لكن الأهم إن روحه بقت أصلب، إرادته بقت ليها شكل، وعقله بقى أهدى، اكتشف إنه عنده موهبة كان مهملها، بدأ يكتب، يقرأ، يفكر، يناقش، ويغوص جواه أكتر، لحد ما بقى شايف الدنيا بشكل مختلف، مش سطحية زي زمان، لكن أعمق، أوضح، وأصدق.
ومع كل ده… ومع كل القوة اللي بناها، بدأ يلاحظ حاجة غريبة، حاجة ماخدش باله منها في البداية، إنه وهو بيبني نفسه… كان بيبعد عن الناس أكتر وأكتر، لحد ما بقى الهدوء اللي جواه اتحول لعزلة حوالينه، وبقى الكلام قليل… مش لأنه مش عايز يتكلم، لكن لأنه نسي إزاي، بقى يقدر يعدي أيام من غير ما يفتح حوار، من غير ما يحكي، من غير ما يشارك، وكأن جزء من إنسانيته اتجمد في هدوءه.
وهنا فهم الحقيقة اللي مش سهلة… إن العزلة كانت وسيلة، مش نهاية، وإن الإنسان مش مخلوق يعيش لوحده طول عمره، وإن القوة الحقيقية مش إنك تبقى ثابت بعيد عن الناس، لكن إنك تفضل ثابت وسطهم، من غير ما ترجع لنفسك القديمة، ولا تضيع اللي بنيته.
فبدأ مرحلة جديدة… أصعب من الأولى، مش لأنه بيواجه نفسه، لكن لأنه بيواجه العالم تاني، بس بنسخة مختلفة منه، نسخة أهدى، أوعى، وأقوى، بدأ يرجع خطوة خطوة، يتكلم، حتى لو كلام بسيط، يقرب، حتى لو بحذر، يحتك بالناس، لكن من غير ما يسمح لنفسه يضيع بينهم.
بقى فاهم إن الندوب اللي جواه مش ضعف… دي علامات طريق، وإن التغيير مش لحظة، لكنه رحلة، وإن الإنسان مش كامل، لكنه يقدر يكون صادق في محاولته.
وفي الآخر… الشاب ده ما بقاش مثالي، لكنه بقى حقيقي،
ما بقاش تايه، لكنه بقى عارف هو ماشي فين،
وما بقاش بيهرب من نفسه… لأنه أخيرًا بقى متصالح معاها.
