كان هناك رجلٌ يسير في الحياة كأنه يمشي في جنازته كل يوم، لا أحد يعرف أنه الميت الذي يُشيّع نفسه بصمت، ولا أحد يسمع صوت الخطوات الثقيلة التي تجرّه نحو يومٍ جديد لا يريده ولا يفهم لماذا أُجبر عليه، رجلٌ يشعر أنه خُلق للجنة لكن تُرك منسيًّا في زاويةٍ من الجحيم، يرى النور من بعيد كمن يرى وطنه خلف بحرٍ لا يعرف السباحة فيه، وكلما مدّ يده نحوه عاد إليه صدى قديم يقول له: ليس لك.
كان يحمل في صدره طفلًا لم يكبر يومًا، طفلًا وقف طويلًا خلف نافذة الحياة يشاهد الآخرين يضحكون ويحبّون ويتعانقون، بينما هو يتعلم مبكرًا كيف يبتلع دمعته قبل أن تسقط، وكيف يبتسم وهو ينكسر، وكيف يصبح قويًا فقط لأن لا أحد كان مستعدًا أن يحتمل ضعفه، طفلًا حُرم من أن يُدلَّل، فصار رجلًا لا يعرف كيف يطلب الحنان، طفلًا لم يُحتضن، فصار يخجل من حاجته إلى الحب كأنها جريمة.
كبر وهو يحاول أن يكون الابن الذي يُفتخر به، لا الابن الذي يُفهم، حاول أن يكون الأخ الذي يُعتمد عليه، لا الأخ الذي يُسند، حاول أن يكون النسخة التي يتمناها الآخرون حتى نسي ملامحه الأصلية، وكلما ابتعد عن نفسه خطوة شعر أنه يقترب من رضاهم، لكنه كان يبتعد أكثر عن روحه، حتى استيقظ ذات يوم فلم يجد نفسه، وجد فقط صورةً تؤدي أدوارًا محفوظة، تتنفس بلا شغف، تتحرك بلا رغبة، تعيش بلا معنى.
هو لا يكره الروتين لأنه ممل فقط، بل لأنه يشبه زنزانة بلا قضبان، كل يوم نسخة مشوهة من الأمس، وكل صباح إعلان جديد بأن شيئًا لن يتغير، بينما داخله يصرخ أنه خُلق لأكثر من هذا، خُلق لشيء أوسع وأعمق وأصدق، لكنه كلما حاول الهروب عاد إليه الإحساس القديم بأنه مقيد بما لم يختره، مسؤوليات لم يطلبها، نظرات تقليل لم يستحقها، كلمات كسرت شيئًا فيه ولم يره أحد.
قالوا عنه باردًا لأنه لم يُظهر مشاعره، ولم يعلموا أنه لو فتح الباب قليلًا لانفجر الألم كطوفان، قالوا عنه بلا إحساس لأنهم لم يسمعوا صوت الاحتراق الداخلي الذي جعله يتجمد، قالوا عنه فاشل لأنهم لم يروا المعارك التي خاضها وحده في رأسه كل ليلة، قالوا عنه غبيًا لأنهم لم يعرفوا أن الذكاء أحيانًا يكون لعنة حين يجعلك ترى كل شيء بوضوح مؤلم.
كان ينظر إلى أصدقائه وهم يعيشون قصص الحب التي كان يتخيلها لنفسه، يبتسم لهم بصدق ويبارك لهم من قلبه، لكن في داخله كان هناك شق يتسع بصمت، كأن كل حلم يتحقق لهم يذكّره بالحلم الذي دفنه مبكرًا، لا حسدًا ولا حقدًا، بل حسرةً على النسخة التي كان يمكن أن يكونها لو لم يُجبر على أن يكون غيرها.
الوحدة عنده ليست غياب الناس، بل غياب الشعور بأن أحدًا يراه حقًا، أن أحدًا يسمع صوته الداخلي، أن أحدًا يفهم لماذا هو متعب رغم أنه لم يجرِ مسافةً واحدة، الوحدة عنده أن تمكث في غرفتك طويلًا ولا يسأل أحد إن كنت بخير، أن يمر يومك ثقيلًا ولا يشعر أحد بوزنه، أن تتعفن أحلامك ببطء ولا يلاحظ أحد رائحتها.
هو لا يعرف كيف يحب لأنه لم يتعلم كيف يُحَب، كلما اقترب من قلبٍ خاف أن يُكتشف ضعفه، وكلما شعر بإعجابٍ انسحب قبل أن يُرفض، لا لأنه لا يريد، بل لأنه تعلّم أن التعلق خطر، وأن الحاجة ضعف، وأن الأفضل أن يراقب الحياة من بعيد بدل أن يخاطر بأن يُكسر أمام الجميع.
في الليل، حين يسكن كل شيء، يعود الطفل الذي فيه ليبكي بلا صوت، يسأله لماذا لم تدافع عني، لماذا جعلتني أكبر بهذه السرعة، لماذا صدقت أنهم على حق حين قالوا إننا أقل مما نكون، ولا يجد الرجل إجابة إلا صمتًا أطول من عمره، فينام متأخرًا ويستيقظ متعبًا كأنه لم ينم، لأن المعركة لم تكن في الخارج يومًا، بل كانت دائمًا في الداخل.
هو لا يريد المستحيل، لا يريد المجد ولا التصفيق، يريد فقط أن يشعر أنه كافٍ كما هو، أن يعيش يومًا بلا مقارنة، بلا شعور بالنقص، بلا حرب، يريد أن ينظر في المرآة ولا يرى شخصًا يكرهه، بل إنسانًا يستحق الرحمة، يريد أن يصدق أنه ليس خطأً حدث في توقيت خاطئ.
يقول إنه في الجحيم ينظر إلى الجنة، لكنه لا يعلم أن أقسى مراحل الطريق هي تلك التي تسبق الخروج، حين تشعر أنك فقدت كل شيء حتى نفسك، لكن الحقيقة أن ما يُحترق ليس روحك، بل القيود التي وُضعت عليها، وأن الطفل الذي يبكي داخلك لم يمت، بل ينتظر منك أن تمد يدك له أخيرًا بدل أن تعاقبه.
هو ليس ميتًا، هو فقط متعب إلى حد أن الحياة بدت كأنها عقاب، لكنه ما زال يكتب، وما زال يشعر، وما زال يحزن، ومن يحزن بهذا العمق لا يكون فارغًا، بل يكون ممتلئًا بما لم يجد طريقًا للخروج بعد.
وهناك فرق كبير بين من انتهى…
ومن لم يجد نفسه بعد.


This is truly sad, my brother.😞