مزلت انسانًا
سأحكي لكم شيئًا غريبًا قليلًا… ليس قصةً حدثت في يومٍ من أيام حياتي، بل حكاية قصيرة عشتها في حلم، ومع ذلك حين استيقظت شعرت أنني فقدت شيئًا حقيقيًا كان بين يدي منذ لحظات فقط.
في تلك الليلة رأيت طفلةً صغيرة، لا يتجاوز عمرها بضع سنوات، كانت جميلةً بشكلٍ لا يمكن وصفه بسهولة، جمالٌ بريءٌ جدًا، كأن الله وضع في ملامحها كل ما في الطفولة من صفاء، لكن الغريب أن هذا الجمال كان يحمل معه حزنًا واضحًا في عينيها، حزنًا لا يليق بطفلة في هذا العمر، حزنًا يجعلك تشعر أن قلبها الصغير رأى من قسوة الدنيا أكثر مما ينبغي.
كانت يتيمة… هكذا أخبرتني، أو ربما فهمت ذلك من حديثها ونظرتها، لا أتذكر كيف عرفت، لكنني كنت متأكدًا من هذا الأمر تمامًا، وكانت تأتي إلى بيتنا أحيانًا، تجلس بيننا كأنها تحاول أن تجد مكانًا صغيرًا في العالم تشعر فيه بالأمان.
أتذكر جيدًا أنها حين رأتني ركضت نحوي بسرعة، واحتضنتني كأنها تعرفني منذ زمنٍ طويل، وكأنني شخص كانت تنتظره، لا أعرف لماذا فعلت ذلك، لكنني احتضنتها بهدوء، حضنًا بسيطًا لا قوة فيه، وضعت يدي خلف رأسها الصغير وأمالت رأسها على صدري، وبدأت أطبطب على ظهرها ببطء… وكأن هذا المكان كان كافيًا ليطمئن قلبها الصغير.
جلسنا بعد ذلك على مائدة الفطور مع أمي، كانت الطفلة تجلس بجواري، تنظر إليّ من حينٍ لآخر بنظراتٍ مليئة بالثقة، نظرات طفلٍ وجد أخيرًا من يشعر به، فأطعمتها بعض الفاكهة، فرولةً وموزًا، وأعطيتها ماءً وعصيرًا، كانت تأكل بهدوء وسعادة غريبة، كأن هذه الأشياء الصغيرة كانت تعني لها الكثير.
بعد قليل شعرت بالتعب، فأخذتها بين ذراعيّ مرة أخرى، ونامت قليلًا وهي مستندة إلى صدري، كانت تمسك بي بيديها الصغيرتين كأنها تخشى أن أختفي فجأة، وأنا كنت فقط أطبطب على ظهرها بهدوء، لا أفعل شيئًا آخر، لكن الغريب أنني كنت أشعر بسكينةٍ عجيبة وأنا أفعل ذلك، سكينة لم أشعر بها منذ وقتٍ طويل.
لكن بعد أن استيقظت قليلًا بدأت تبكي، فسألتها ماذا حدث، فأخبرتني أن الناس الذين تعيش بينهم طوال الأسبوع يعاملونها بطريقة سيئة، وأنهم أحيانًا ينظرون إليها بنظرات ليست جميلة فقط لأنها يتيمة، ثم سألتني سؤالًا صغيرًا لكنه كان ثقيلًا جدًا على قلبي:
قالت لي وهي تنظر إليّ بعينين ممتلئتين بالدموع…
«هو أنا وحشة؟»
في تلك اللحظة شعرت أن الدنيا كلها صمتت قليلًا.
احتضنتها مرة أخرى وقلت لها بهدوء إن فقداننا لشيءٍ في حياتنا لا يعني أننا سيئون، وإن الله أحيانًا يأخذ منا شيئًا لأن له حكمةً لا نراها الآن، لكنه في النهاية يعطينا شيئًا آخر أجمل بكثير مما فقدناه.
كانت تنظر إليّ وأنا أتكلم…
نظرة صغيرة لكنها مليئة بالمعاني، نظرة امتنان وراحة كأن كلمات بسيطة استطاعت أن تزيل عن قلبها الصغير حملًا كبيرًا.
بعد ذلك لعبت قليلًا مع أولاد العائلة، ثم عادت إليّ مرة أخرى وجلست بجواري، ففتحت هاتفي وبدأنا نشاهد مقطع فيديو معًا، وضعت ذراعي حولها قليلًا حتى تشعر بالدفء، وأعطيتها عصيرًا آخر، وكانت تسألني أسئلة كثيرة، أسئلة طفلة فضولية تحاول أن تفهم العالم، وكنت أجيبها بهدوء، رغم أنني الآن لا أتذكر تلك الأسئلة… لكنني أتذكر شعور الحديث معها.
ثم في لحظةٍ ما بدا عليها الحزن مرة أخرى، فحملتها على كتفي وبدأت أطبطب على ظهرها كما كنت أفعل، وسألتها بهدوء عمّا يزعجها، فقالت إن الناس ينظرون إليها بنظرات غريبة لأنها يتيمة.
فقلت لها شيئًا ما زلت أتذكره جيدًا:
إن الله حين يبتلي إنسانًا أو يأخذ منه شيئًا، فهذا لا يعني أنه نسيه أو تركه، بل ربما يكتب له شيئًا أعظم مما يتخيل، وربما يكون قدري أنا أن ألتقي بها… كما كان قدرها هي أن تلتقي بي.
نظرت إليّ بعد تلك الكلمات نظرة لن أنساها ما حييت.
كانت نظرة صغيرة، فيها دموع… لكنها لم تكن دموع حزن هذه المرة، كانت دموع راحة وفرح، ثم احتضنتني فجأة بقوةٍ أكبر، وقالت كلمة واحدة فقط…
«بابا».
لا أعرف لماذا…
لكن تلك الكلمة وحدها جعلت قلبي يمتلئ بشعورٍ غريبٍ جدًا، شعور دافئ لم أعرف كيف أصفه، وكأن هذه الطفلة الصغيرة وجدت فيّ شيئًا يشبه الأمان الذي فقدته.
وفي نهاية الحلم، بينما كانت ما زالت تحتضنني، رفعت قلبي إلى الله ودعوته بصمت… تمنيت فقط أن يكون كل هذا حقيقيًا.
لكنني فتحت عيني بعدها مباشرة.
اختفى كل شيء…
الطفلة، وصوتها، وحضنها الصغير.
بقي فقط ذلك الشعور الغريب في صدري…
مزيج من الفرح والحزن معًا.
حينها فهمت شيئًا واحدًا.
ربما لم يكن هذا الحلم مجرد حلم عابر،
ربما كان رسالة صغيرة من الله…
ليذكرني بشيء كدت أن أنساه.
أنني، رغم كل ما مررت به،
ما زلت أمتلك قلبًا يشعر،
وقلبًا يستطيع أن يرحم.
وربما لهذا السبب…
جعل الله تلك الطفلة تمر في حلمي تلك الليلة.
فقط
ليثبت لي
أنني ما زلت إنسانًا.
