كان يظن أن الحزن شيءٌ يعبر بالإنسان ثم يرحل، حتى اكتشف ذات صباح أنه لم يعد يتذكر متى كان آخر يومٍ شعر فيه بأنه بخير حقًا. لم يكن يبكي طوال الوقت، ولم يكن يملك دائمًا سببًا واضحًا لحزنه، لكنه كان يشعر بأن شيئًا ما انطفأ في داخله؛ الأشياء التي أحبها ما زالت في أماكنها، والناس الذين اعتاد وجودهم ما زالوا حوله، لكن قلبه لم يعد يستقبل العالم بالطريقة نفسها.
في البداية ظن أنه يحتاج إلى بعض الوقت، ثم بدأ الوقت نفسه يصبح ثقيلًا. صار يستيقظ بلا رغبة، ويؤدي أيامه كمن يؤدي واجبًا لا علاقة له به، ويضحك أحيانًا دون أن يشعر بالفرح الذي يفترض أن يصاحب الضحكة. لم يكن العالم قد أصبح أكثر قسوة، لكنه هو أصبح أقل قدرةً على الإحساس بما فيه.
وهنا بدأ الحزن يتغير.
فالحزن الطبيعي غالبًا ما يكون استجابةً لفقدٍ أو صدمة أو خيبة، ويتحرك مع الزمن؛ يؤلم الإنسان ثم يترك له مساحاتٍ يستطيع فيها أن يضحك ويهتم ويستمتع. أما الاكتئاب فقد يتجاوز السبب الذي بدأ منه، فيتحول من حزنٍ على شيءٍ فُقد إلى حالةٍ تؤثر في نظرة الإنسان إلى نفسه وحاضره ومستقبله.
كان عقله في تلك الفترة أشبه بغرفةٍ لا تنطفئ فيها الأنوار، لكن لا يدخلها النهار. يعيد الذكريات نفسها، يبحث في أخطائه القديمة، ويعيد صياغة الكلمات التي قالها والأشياء التي فعلها، حتى تصبح كل ذكرى دليلًا جديدًا على أنه لم يكن جيدًا بما يكفي. ثم ينظر إلى المستقبل بعين الماضي، فيراه مجرد امتدادٍ آخر للخسارة.
ولم يكن ذلك مجرد ضعفٍ في الشخصية كما يظن البعض؛ فالاكتئاب اضطراب معقد تتداخل فيه عوامل نفسية وبيولوجية ووراثية وبيئية، وقد يرتبط بتغيرات في دوائر دماغية مسؤولة عن تنظيم المزاج والمكافأة والدافعية والاستجابة للضغط. لذلك قد يفقد الإنسان قدرته على الاستمتاع بأشياء كانت تمنحه السعادة، وهي حالة تُعرف بفقدان المتعة.
والأشد قسوة أنه لم يكن يستطيع شرح ذلك لأحد.
كان يستطيع أن يقول: «أنا متعب»، لكنه لم يكن يعرف كيف يقول: «أنا موجود، لكنني لا أشعر أنني موجود كما كنت.»
ثم بدأ ينسحب من الحياة قليلًا قليلًا؛ قلّت لقاءاته، وتأجلت أحلامه، وأصبح ما كان يفعله بسهولة يحتاج إلى طاقةٍ هائلة. وكلما ابتعد عن الأشياء التي تمنحه معنى أو متعة، ازداد فراغه، وكلما ازداد الفراغ، ازداد اجتراره لأفكاره، حتى دخل في دائرةٍ مغلقة يغذي فيها الألم نفسه بنفسه.
ومع ذلك، كانت هناك حقيقة لم يستطع اكتشافها إلا متأخرًا: ليس كل ما نشعر به حقيقةً عن العالم.
قد يشعر الإنسان بأنه بلا قيمة، لكن الشعور ليس برهانًا على ذلك. وقد يشعر أن المستقبل لن يتغير، لكن اليأس ليس نبوءة. وقد يرى حياته كلها من خلال أسوأ لحظة فيها، فينسى أن العقل نفسه يتغير، وأن الحالات النفسية ليست أحكامًا أبدية.
وحين بدأ يفهم ذلك، لم تختفِ عتمته فجأة، ولم يستيقظ ذات يوم سعيدًا كما في الحكايات؛ لكنه بدأ يرى ثقبًا صغيرًا في جدارها.
فهم أن الحزن ليس عيبًا في الإنسان، وأن الألم ليس دليلًا على ضعفه، وأن طلب المساعدة ليس هزيمة. وفهم كذلك أن الاكتئاب لا يُعالج بمجرد أن يقول له أحدهم «كن قويًا»، بل قد يحتاج إلى علاج نفسي، وأحيانًا إلى علاج دوائي بإشراف متخصص، وإلى استعادة النوم والنشاط والعلاقات والحياة اليومية تدريجيًا.
وفي النهاية أدرك الفرق الذي كان يبحث عنه طوال الوقت:
الحزن يقول: لقد فقدت شيئًا.
أما الاكتئاب فيهمس: لقد فقدت نفسك.
لكن الإنسان قد يفقد نفسه فترةً دون أن يكون قد فقدها إلى الأبد؛ فقد تمر عليه أيامٌ لا يرى فيها الطريق، وهذا لا يعني أن الطريق انتهى.
فربما لا تبدأ النجاة حين يعود الإنسان سعيدًا، وإنما حين يصدق للمرة الأولى أن عتمته، مهما بدت كاملة، ليست دليلًا على غياب الضوء؛ بل دليلٌ على أنه لم يره بعد.

